صديق الحسيني القنوجي البخاري

206

أبجد العلوم

أخبرني صاحبنا الفاضل أبو القاسم بن رضوان كاتب العلامة بالدولة المرّينية قال : « ذاكرت يوما صاحبنا أبا العباس بن شعيب كاتب السلطان أبي الحسن ، وكان المقدم في البصر باللسان لعهده ، فأنشدته مطلع قصيدة ابن النحوي ولم أنسبها له ، وهو هذا : لم أدر حين وقفت بالأطلال * ما الفرق بين جديدها والبالي فقال لي على البديهة : هذا شعر فقيه . فقلت له : من أين لك ذلك ؟ قال : من قوله : « ما الفرق » إذ هي من عبارات الفقهاء وليست من أساليب كلام العرب . فقلت له : للّه أبوك ! إنه ابن النحوي . وأما الكتاب والشعراء فليسوا كذلك لتخيرهم في محفوظهم ومخالطتهم كلام العرب وأساليبهم في الترسل وانتقائهم له الجيد من الكلام . ذاكرت يوما صاحبنا « 1 » أبا عبد اللّه بن الخطيب وزير الملوك بالأندلس من بني الأحمر ، وكان الصدر المقدم في الشعر والكتابة ، فقلت له : أجد استصعابا عليّ في نظم الشعر متى رمته مع بصري به ، وحفظي للجيد من الكلام من القرآن والحديث ، وفنون من كلام العرب ، وإن كان محفوظي قليلا . وإنما أتيت واللّه أعلم من قبل ما حصل في حفظي من الأشعار العلمية والقوانين التأليفية ، فإني حفظت قصيدتي الشاطبي الكبرى والصغرى في القراءات ، وتدارست كتابي ابن الحاجب في الفقه والأصول ، و ( جمل الخونجي ) في المنطق ، وبعض كتاب ( التسهيل ) وكثيرا من قوانين التعليم في المجالس ، فامتلأ محفوظي من ذلك ، وخدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيد من القرآن والحديث وكلام العرب ، فعاق القريحة عن بلوغها . فنظر إليّ ساعة معجبا ثم قال : للّه أنت ! وهل يقول هذا إلا مثلك ؟ ! ويظهر لك من هذا المطلب وما تقرر فيه سرّ آخر ، وهو إعطاء السبب في أن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من كلام الجاهلية في منثورهم ومنظومهم . فإنا نجد شعر حسان بن ثابت ، وعمر بن أبي ربيعة ، والحطيئة ، وجرير ، والفرزدق ، ونصيب ، وغيلان ذي الرمة ، والأحوص ، وبشار ، ثم كلام السلف من العرب في الدولة الأموية وصدرا من الدولة العباسية ، في خطبهم وترسيلهم ومحاوراتهم للملوك ، أرفع طبقة في البلاغة من شعر النابغة ، وعنترة ، وابن كلثوم ، وزهير ، وعلقمة بن عبدة ، وطرفة بن

--> ( 1 ) القائل هو ابن خلدون . انظر المقدمة ( ص 670 ) .